ساعةٌ تحسب الصبر لا الدقائق
الساعات والمجوهرات — 2026-10-02
الورشة صغيرة في جنيف، وعلى الطاولة المقابلة للنافذة آلةٌ لا يتجاوز قطرها سنتيمترين، يجمعها صانعٌ منذ ستة أشهر. سألته ذات صباح لماذا لا يستعجل، فرفع عينه عن العدسة المكبّرة وقال: «الساعة تُحسب بالصبر الذي دخل فيها قبل أن تُحسب بالدقائق التي تعدّها».
داخل تلك العلبة الصغيرة يهتزّ دولابٌ دقيق نحو ثماني وعشرين ألف مرةٍ في الساعة، وتتعاون حوله عشراتُ القطع، بل مئاتها في الحركات المعقدة: زنبركٌ مصقول، وجواهرُ تحمل المحاور، وزيتٌ لا يجفّ بسرعة. إن اختلّت واحدةٌ منها اختلّ الباقي.
وفي الصباح نفسه أراني ساعةً عمرها ثمانون عاماً جاءته لتُبعث من جديد. فتح ظهرها فبدا الداخل كمدينةٍ صغيرة نظيفة: أسطحٌ مصقولة بخطوطٍ دقيقة، ووصلاتٌ لا تُرى إلا بالعدسة، وأثرٌ خفيف لمن مرّوا عليها قبله. قال: «لا أُصلح الساعة، أُكمل حكايةً بدأها غيري».
كيف تختار ساعتك الأولى
- ابدأ بالمعصم لا بالعلامة: قِس المسافة بين طرفي العروتين، فإن زادت على عرض معصمك بدا الميناء ثقيلاً. وتناسب أكثر المعاصم علبةٌ بين ٣٦ و٤٠ ملّيمتراً.
- اسأل عن الحركة: الميكانيكية تحتاج إلى حركة معصمك أو إلى مفتاحها لتدور، والكوارتز يكتفي ببطاريةٍ وفيّة. لا أفضلية لإحداهما؛ لكلٍّ منهما طبعٌ.
- اطلب كلفة الصيانة قبل السعر، فالساعة التي لا يخدمها أحدٌ بعد عشر سنوات تتحوّل إلى حلية.
- اجعل الميناء بسيطاً، فالبساطة هي ما يبقى حين تتبدّل الموضة.
وأكثر ما يخدع المشتري الأول بريقُ المعدن؛ فالعلبة الصقيلة تُغري، لكن الأجمل أن تقلب الساعة فترى الحركة تعمل خلف زجاجٍ صافٍ، وأن تسأل صانعها كم ساعةً قضى في تزيين جسرٍ واحدٍ لا يراه أحد. ففي الأشياء التي لا تُرى يظهر أصدق ما في الصانع.
الوقت لا يُشترى، لكنه يُحترم حين يُرتدى جيداً.
العناية التي لا تُرى
وللعناية قواعد قليلة لا تتبدّل: أبعِدها عن المغانط التي تسكن إغلاق الحقائب وسماعات الهواتف، ولا تضبط التاريخ في كثيرٍ من الطرازات بين التاسعة مساءً والثالثة صباحاً، فآلية التقويم تكون عندئذٍ في طور الحركة.
ثلاث محطات تُبقي الساعة حيّةً أجيالاً.
حين غادرتُ الورشة كان الصانع قد أعاد العدسة إلى عينه. لم أسأله متى ستنتهي، فقد فهمتُ أن السؤال الصحيح ليس متى، بل كم من الصبر ستحمله معك حين تنتهي.
العودة إلى الرئيسية